samedi 30 juillet 2011


تحدثت في مقال سابق عن الروتين على الطريقة الصينية. ورغم علمي بأن الكثير من الناس يعيش حياة روتينية إلا أن حجم التعليقات وحجم الردود التي تلقاها بريدي الإلكتروني كشفت عن مدى فداحة الروتين الذي يحياه الإنسان العربي. ولهذا قررت المساهمة في كسر الروتين على الطريقة العربية وليس الصينية عملا بقاعدة (الصينيون أحسن منا؟؟!!). والذي دعاني بشدة إلى الكتابة في كسر الروتين هو الاعتقاد السائد لكثير منا أن مشاكلنا اليومية يمكن حلها بواسطة (وصفة أعشاب) جاهزة من ذلك النوع الذي يحيل الحياة من روتينية إلى أخرى مليئة بالنشاط ومفعمة بالمرح والحيوية في (غمضة عين).
يؤسفني أن أقول لكل من يبحث عن وصفة الأعشاب ذات السر (البَتِع) أنه لا توجد وصفة أعشاب للتخلص من أعباء الحياة. وبالتالي فلا يوجد شيء في الدنيا اسمه وصفة أعشاب تقضي على الروتين. ولو وجدت وصفة كهذه لأصبح العاملون في مجال تطوير الذات من كتاب ومؤلفين وناشرين ومدربين يبيعون (بليلة) في الشوارع. وهذا قد يكون تطورا نوعيا في مهنة تطوير الذات! من يدري!
إن الحياة التي نحياها مبنية على المنافسة والكد والعمل. لذلك لا يوجد شيء في الدنيا يمكن الحصول عليه بدون أي جهد. ثمة ثمن لكل شيء حتى ولو كان الثمن بسيطا لكنه موجود. فكروا معي قليلا ... حتى المكسرات التي (نسحقها) حينما نشاهد فيلما أو نتجاذب (أحبال الغس...) أقصد أطراف الحديث، يجب أن ننزع قشرتها واحدة واحدة ثم نأكلها وهذا يعني بذل جهد في تناول هذه المكسرات المقرمشة المملحة اللذيذة. (لهذا أحترم الأخ  "الكاشو" أو "الكاجو" لأنه الوحيد بين المكسرات الذي يمكن أن نأكله بدون مجهود!)
لكن دعونا لا نضيع الوقت في الحديث عن الكاشو والبندق وهذه الأشياء التي تثير الشهية للجلوس في سهرة جميلة. لأن شهريار قادم كما تعلمون وهو لا يمزح للأسف. الذي أريد أن أقوله أن كسر الروتين يحتاج منا إلى مجهود. يحتاج إلى تغيير طريقة التفكير. يحتاج إلى خلق نية لكسر الروتين أولا ثم التفكير في آليات لتنفيذ عمل الكسر والتهشيم. عملية الكسر هذه هي المعضلة أمام الكثير في حين أن (المشكلة) وليس (المعضلة) من وجهة نظري تكمن في القدرة على خلق النية اللازمة لتغيير أو لكسر الروتين. فلكلٍّ ظروفه، ولا يمكن كتابة طرق مخصصة لكسر روتين كل فرد. هذا مجهود أغريقي يحتاج لفتح (كسارة) روتين هائلة في أحد الجبال.
سوف أتحدث عن بعض آليات التخلص من الروتين في الخطوات الخمسة التالية. وأُذكٍّر بأنها ليست وصفة جاهزة لكل فرد كما قلت سابقا بل هي آليات عامة ويمكن للقارئ أن يخصصها حسب ظروفه وحسب قدرته، لكن الأهم من هذا كله هو أن يمتلك الإنسان النية الصادقة والحقيقية.
الخطوة الأولى: الرغبة في حلق الروتين على (الصفر)
يجب أن تكون لديك رغبة حقيقية (رغبة وليس رغوة) لكسر روتين الحياة لأن الكثير يمتلك (رغوة) صابونية لا تلبث أن تتبخر بعد دقائق أو ساعات. إن مجرد جلوسك على قهوة الشكوى وتشتكي للغادي والرائح بأن الحياة مملة لن يحقق لك كسر الروتين وستمكث هكذا حتى تتهشم القهوة بفعل (طوشة). إن من يفعل هذا، فهو يمارس الملل بكل احترافية وبلا كلل أو ملل.
هذه الرغبة سوف تتحول إلى نية حقيقية إذا ما حافظت على اتقاد جذوة تلك الرغبة وبالتالي فإن النية المترتبة على تلك الرغبة ستكون بدورها الدافع الرئيسي نحو التغيير.

الخطوة الثانية: القدرة لتنفيذ عملية الحلق
أي أن تكون قادرا عمليا وأحيانا ماديا على تنفيذ أي طريقة من طرق كسر الروتين. وهنا يمكن الاختبار الحقيقي للنية. معظمنا حينما يستمع لموعظة دينية يخرج من المسجد ويشعر أنه يمتلك طاقة للصلاة ألف ركعة لا تلبث أن تخبو بعد أول محطة باصات. والكثير يحدثني بأنه ما أن يستمع لأحد محاضرات تطوير الذات يشعر بطاقة تحفيزية تجعله يحلق في فضاء الأمل لا تلبث أن يتناثر رمادها لتعيده إلى كوكب الأرض سالما غانما والحمد لله. والسبب في ذلك يعود إلى أن ذلك الإنسان إما أنه لم يمتلك الطاقة اللازمة لإشعال النية الحقيقية للتغيير بعد، أو أنه لم يوظف نيته الحقيقة بالشكل اللازم. وبالطبع لا ننسى أيضا أننا بشر نتأثر كثيرا بالمواعظ والرقائق التي ترقق القلوب وتحفز الهمم التي لا تلبث أن تذوب بين زحام الدنيا.
لذلك، ينبغي على ذلك الإنسان الذي يشعر بأنه يمتلك النية بأن يبادر إلى التنفيذ فورا ويقاوم كل مثبطات النهوض وهي كثيرة للأسف. ودعني أؤكد أنه إذا تمكنت من الصمود عدة أيام وربما أسبوع في المتوسط، فإن هذا يعني أنك قد نجحت في اجتياز الاختيار الصعب وأن لديك قدرة حقيقية للتغيير.

الخطوة الثالثة: تحديد الأنشطة اليومية
ما رأيك أن تحضر ورقة وقلم وتبدأ في كتابة كل ما تفعله في حياتك اليومية؟ لو جربت وكتبت أنشطتك اليومية، ثم نظرت إليها فهذه خطوة رائعة. بعد ذلك قم بتحديد أي الأنشطة يثير لديك الملل وضع أمامه علامة محددة (علامة مطوة أو فأس على سبيل المزاح!) وبعد تحديد جميع نقاط الملل ابدأ في التفكير في كيفية معالجة تلك النقاط.
سوف تلاحظ أن ثمة أنشطة تحتاج إلى إزالتها بالكلية من قائمة أنشطتك اليومية، وثمة أنشطة ضرورية ستحتاج فقط إلى تغيير الطريقة التي تنفذ بها تلك الأنشطة، وقد تجد أنشطة تحتاج فقط إلى إعادة النظر في حقيقتها فقد تكون غير مللة في حين أنك تراها مملة بسبب ظرف ما يدفعك لذلك.

الخطوة الرابعة: الإبداع
وهذه الخطوة هامة جدا وهي بيت القصيد. يجب أن يكون الإنسان مبدعا في خلق ظروف جديدة يعيشها في حياته. فالذي يحيل حياتنا إلى ملل إغريقي هو قتل الإبداع والاعتماد على الطرق المألوفة. لماذا نفعل الطرق المألوفة إذاً ما دامت أنها تثير الملل؟ السبب بسيط جدا..لأنها مألوفة! أي أنها أقل تكلفة من حيث التفكير والتدبير. لا تحتاج إلى تشغيل (تروس) المخ لكي تنفذها. وهذا هو ما يجعل الحياة الزوجية مملة بعد عام أو عامين أو 5 أعوام إن كنت محظوظا. فالحياة الزوجية (على سبيل المثال) إذا افتقدت إلى الإبداع، فسوف تتحول تلك الحياة إلى حالة من (عدم الموت)!
سألتني يوما ما سيدة، زواجي ممل جدا، كيف أجعله حيويا؟ قلت لها بكل هدوء (على سبيل المداعبة): بأن تتوقفي عن أن تكوني مملة...وقبل أن تموت غيظا قلت لها وأيضا زوجك بالطبع عليه أن لا يكون مملا!
المقصود أن الملل نحن من نصنعه في الغالب. فليس صغر حجم البلد، ولا عدم وجود متنزهات ولا نوم الناس من حولنا مبكرا هو السبب. بل نحن السبب، لأننا تعودنا على الركون إلى الملل كونه أقل تكلفة كما قلت! فمن يشعر بالملل من زواجه يجب أن يغير من روتينية الزواج ... إذا اعتاد الزوجان المكوث في البيت طيلة الأسبوع، فليخرجا مرة واحدة أسبوعيا في المساء إلى أي مكان للتنزه أو الجلوس أو تناول مشروب أو مشاهدة الغروب ... لماذا يعتبر الزوج أن كتابة رسالة إلى زوجته أنه نوع من (قلة القيمة) أو (مضيعة وقت) أو (لقد كبرنا على مثل هذه الأشياء) ! من قال أن الرسائل المكتوبة بين الأزواج ممنوعة بعد الزواج؟
نحن بحاجة إلى اكتساب عادات جديدة فيها الكثير من الحيوية. نحن، وعلى سبيل المثال أيضا، لا نحب الرياضة كثيرا وخاصة رياضة المشي. لماذا لا نجرب ذلك؟ لماذا لا يقوم الشاب بجمع العملات المعدنية النادرة وعمل معرض صغير جدا في بيته؟ لماذا نبتعد عن الهوايات اليدوية التي تشغّل التفكير وبدلا من ذلك نركز على الهوايات الإلكترونية التي تشغّل النظر فقط في العادة؟
ما رأيك عزيزي الشاب لو اجتمعت مع أصدقائك كل أسبوع مرة في مكان مختلف ويعرض كل صديق مرة في كل أسبوع مشكلة ما أو معلومة جديدة ويناقشها مع أصدقائه؟ لماذا نذهب كل يوم من نفس طريق العمل ونعود منه؟ هل ثمة قوانين تفرض ذلك؟ إذا كنت صاحب سيارة، فيمكنك تغيير الطريق بسهولة .. جرب ولن تخسر شيئا وسوف تلاحظ أنك تنظر يمنة ويسرة لأن الطريق جديد ولم تعتده عيناك وستشعر بنوع من الحيوية .. جرب أن تذهب إلى أي شارع او أي مكان في بدلتك لم تدخله أبدا حتى ولو كان شارعا قديما او فقيرا أو أي شيء..المهم أن تغير الروتين ولو لساعتين فقط وسوف تلاحظ الفرق...
وعلى سبيل المثال لا الحصر، الفتاة يمكن لها أن تفعل الكثير، فهي  تستطيع القراءة ... وعقد حلقات قراءة مع صديقاتها .. زيارة لقريبة أو صديقة .. التطوع في أنشطة مجتمعية ... تعلم هواية يدوية أنثوية مثل الحياكة، أو التطريز، أو الرسم على الزجاج، أو صناعة الأشكال الورقية أو الطينية، أو أي هواية يدوية أخرى من التي أصبحت تمقتها فتيات اليوم!
هذه أشياء قليلة والإبداع البشري لا حصر له إلا ما شاء الله. لكننا نحن من يقتل الإبداع بدعوى أنه مكلف. بصراحة (ومن الآخر) العيب ليس في الحياة ... بل العيب فينا ... وبصراحة أشد ...نحن مملون جدا!

الخطوة الخامسة: الشعور بالمتعة
أي أن تشعر بالإنجاز وتشعر بقيمة التغيير الحقيقي الناجم عن تغيير العادات. فالكثير منا يبدع في العمل ويتفانى فيه لكنه يفتقد إلى مزية الاستمتاع بالعمل والشعور بقيمة الإنجاز المترتب على ذلك العمل. استمتع بعملك وعود نفسك على الاستمتاع بإنجازاتك. فمثلا لو قابلت صديق في مكان ما وتحدثت معه لمدة ساعة وشعرت بالفرح لأنك قابلت صديقك هذا، أرسل له رسالة على الجوال تشكره فيها على الساعة التي قضاها معك في النقاش وأن تلك الساعة جعلت من يومه سعيدا. هذا يشعرك بقيمة الإنجاز ويجعلك حقيقة تستمع بتلك السويعة التي قضيتها مع صديقك.
بالمناسبة، هذه الخطوة الخامسة (الشعور بالمتعة) تحتاج لوحدها مقال كامل! ذكروني أن اتحدث عن فن المتعة يوما ما...
مَن؟....شهريار؟؟؟؟؟
وحتى نلتقي،،،

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire